محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

567

تفسير التابعين

أما المدرسة المدنية فاستغنت بالوارد عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وكثرة المروي من الحديث فيها ، فاتجهت للوعظ بالحديث والأثر ، في حين أن المدرسة العراقية التي كان نصيبها من الحديث قليلا اتجهت فيها الهمم إلى ما روي عن التابعين من مواعظ وآثار فجمعت ، وتناقلتها الألسن . وتبعا لذلك فقد انتشر الزهد عند العراقيين ، وصارت الكتب المؤلفة في الزهد عراقية المبدأ ، والمشرب ، وظهرت كتب الزهد ، لوكيع ، وهناد ، وابن المبارك ، وهي عراقية ، في حين قل أن تجد مرويات في الزهد عن أئمة الحجاز ( كابن المسيب ، والزهري ) وغيرهما في عامة كتب الوعظ والرقائق ، بل يمكن القول بأن بذرة التصوف ( وكان في أول الأمر خاضعا للزهد فحسب ) قد نبتت ، وترعرعت في أرض العراق ، وفي البصرة بالذات . وقد يكون من الأسباب أيضا اتباع أئمة المدارس لشيوخهم . فالمدرسة العراقية كثر في كلامها الزهد أكثر من المدرسة المكية بكثير ، وقد يكون ذلك تبعا لاختلاف المروي عن شيوخ المدارس ، فابن مسعود أكثر من ذلك ، فكان المروي عنه في كتب الزهد يزيد على ثلاثة أضعاف ما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عن الجميع « 1 » - . ومن الأسباب كذلك أن أئمة هذه المدرسة كانت لهم أسباب خاصة أدت بهم إلى هذا الاتجاه ، فالحسن - رحمه اللّه - كما مرّ معنا في ترجمته - نشأ في بيت النبوة ، ورضع من أم سلمة ، وكان أبواه من القصاص ، كما كانت لسكناه البصرة أثرا من وجه آخر ، إذ كانت البصرة متأثرة بأبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنه - في حياة الزهد ، كما تأثر كذلك تأثرا واضحا بعابد البصرة وزاهدها عامر بن عبد القيس « 2 » . فدرجت أذنه على

--> ( 1 ) بعد تتبع ما روي في كتب الزهد للأئمة أحمد ، ووكيع وابن المبارك وهناد ، وجدت المنقول فيها ( 367 ) أثرا عن ابن مسعود ، في حين كان المنقول عن ابن عباس ( 120 ) أثرا ، وعن أنس ( 120 ) أثرا ، وعن عمر ( 148 ) أثرا ، وعن علي ( 67 ) أثرا ، وعن أبي الدرداء ( 136 ) . ( 2 ) كتاب الحسن البصري مفسرا ( 14 ) .